مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد أيوب

>

الحياة في الكون : أين يقف العلم ؟

 

منذ أن رفع الإنسان نظره متأملا السماء، لم تكن النجوم مجرد أضواء بعيدة معلقة في ظلمة الليل؛ كانت دائمًا سؤالًا مفتوحًا بلا إجابات. وكلما اتسعت معرفتنا بالكون، بدا لنا أن المسافة بين ما نعرفه وما لم نعرفه بعد مسافة تزداد يوما بعد يوم، لا تنكمش. وكأن المعرفة العلمية، في رحلتها الطويلة، لا تضع حدًا للمجهول بقدر ما تكشف لنا عن اتساعه.. بقدر اتساع الكون. وبقدر حيرة العلم أمام ما هو مؤكد، وما هو محتمل، وما لم يصل إليه الدليل بعد.
ولعل هذا هو أحد أكثر وجوه العلم إثارة للدهشة: أنه كلما أجاب عن سؤال، كشف خلف الإجابة أسئلة أخرى لم تكن في متناول الإنسان من قبل.
لقد تغيرت صورة الكون بصورة جذرية خلال العقود الأخيرة. لم تعد الأرض عالمًا وحيدًا يدور حول نجم وحيد في فضاء صامت؛ فقد اكتشف الإنسان آلاف الكواكب خارج المجموعة الشمسية، وأصبح قادرًا على دراسة بعض خصائصها، وتحليل أجواء بعضها، والبحث عن الظروف التي قد تجعل بيئة ما قابلة لاحتضان الحياة. وأصبح السؤال الذي كان يبدو ذات يوم أقرب إلى التأمل الفلسفي أو الخيال العلمي موضوعًا لبرامج رصد ومراصد ومهمات فضائية ونماذج رياضية وكيميائية دقيقة.
لكن اتساع المعرفة لا يعني أن المجهول قد انتهى.
وهنا تظهر المسافة الدقيقة التي ينبغي أن نقف عندها: المسافة بين أن نجد عالمًا يمكن أن تكون فيه الحياة ممكنة، وبين أن نجد الحياة نفسها.
فالعلم يستطيع أن يكتشف كوكبًا، وأن يحدد مداره، وأن يدرس بعض خصائص غلافه الجوي، وأن يبحث عن الماء والعناصر الكيميائية ومصادر الطاقة، وربما يعثر على جزيئات تثير اهتمام العلماء. لكنه لا يستطيع أن يحول الاحتمال إلى حقيقة بمجرد الرغبة في أن تكون الحقيقة كذلك. فالإشارة الكيميائية ليست بالضرورة حياة، ووجود الماء ليس دليلًا على وجود كائن حي، ووجود بيئة قابلة للسكن لا يعني أنها مأهولة.
وهنا تحديدًا تبدأ أهمية السؤال الذي يتناوله هذا المقال:
أين تقف المعرفة العلمية الآن؟
ليس السؤال: هل توجد كواكب أخرى؟ فقد أصبح ذلك من الحقائق الراسخة في علم الفلك الحديث. وليس السؤال حتى: هل توجد أماكن في الكون قد تتوافر فيها بعض الشروط المرتبطة بالحياة؟ فهذا أصبح مجالًا واسعًا للبحث العلمي.
السؤال الأصعب هو: هل انتقل العلم بالفعل من إثبات إمكانية الحياة إلى العثور على دليل عليها؟
وهذه نقطة لا تحتمل الخلط بين ما هو ثابت، وما هو محتمل، وما هو قيد البحث، وما لم يثبت بعد.
فالعلم لا يخسر شيئًا حين يقول: «لا نعرف». بل ربما تكون هذه العبارة، في لحظات معينة، أكثر العبارات العلمية دقة. إن عدم العثور على الحياة حتى الآن لا يثبت عدم وجودها، كما أن اتساع عدد العوالم المرشحة لا يثبت وجودها. وبين النفي والإثبات تمتد مساحة واسعة من الاحتمالات، وهي المساحة التي يعمل فيها العلم الحقيقي.
لذلك فإن قضية الحياة خارج الأرض ليست سباقًا لإعلان اكتشاف مثير، وإنما اختبار لقدرة الإنسان على التمييز بين الإشارة والدليل، والاحتمال والإثبات، وقابلية السكن ووجود الحياة.
وفي هذه المنطقة الفاصلة بين ما نعرفه وما نرجوه، يصبح السؤال عن الحياة خارج الأرض سؤالًا أعمق من مجرد البحث عن كائنات في عالم بعيد؛ إنه سؤال عن حدود المعرفة الإنسانية نفسها:
ماذا نعرف؟
وماذا نعتقد أننا نعرف؟
وماذا يمكن للعلم أن يثبته فعلًا؟
وأين يبدأ المجهول الذي لم يقل العلم كلمته الأخيرة فيه بعد؟
من هنا يمكن أن نقترب من القضية دون أن نسبق الأدلة، ودون أن نغلق الباب أمام الاحتمال.
فالعلم الحديث لم يجد الحياة خارج الأرض حتى الآن، لكنه قطع مسافة هائلة في تحديد الأماكن التي يمكن البحث فيها، وفي معرفة الشروط التي قد تجعل الحياة ممكنة، وفي تطوير الأدوات القادرة على قراءة إشارات تأتي من عوالم بعيدة.
وربما تكون هذه هي اللحظة الأكثر إثارة في تاريخ السؤال كله:
أن الإنسان لم يجد الحياة بعد، لكنه بدأ، للمرة الأولى، يعرف بصورة أكثر دقة أين يبحث عنها، وما الذي ينبغي أن يبحث عنه، وما الدليل الذي يمكن أن يجعله يقول يومًا: لقد وجدناها.
وحقا، يحار الإنسان كلما تفكر في هذا الكون العظيم حتى يباغته السؤال الكبير : أين وصل العلم الآن ؟ وإلى أين سيصل؟
وهذا السؤال تحديدا بشأن المعرفة العلمية الحديثة واحتمال الحياة خارج الأرض، سؤال لن تكون له إجابة في القريب العاجل. وبالأحرى بشأن السعي الدؤوب للعلماء حاليا للوصول لإجابة إلى هذا السؤال : أين تقف المعرفة العلمية اليوم من احتمال وجود حياة خارج الأرض؟
فلم يعد السؤال العلمي اليوم: هل توجد كواكب أخرى غير الأرض؟ فقد انتهت هذه المرحلة من السؤال منذ زمن. السؤال الذي يشغل علم الفلك والأحياء الفلكية الآن هو أكثر دقة: هل توجد في بعض هذه العوالم الظروف التي تسمح بالحياة، وهل يمكن أن تكون الحياة قد ظهرت فيها بالفعل؟
والجواب العلمي حتى الآن يحمل مفارقة واضحة: لدينا أدلة هائلة على اتساع الأماكن التي يمكن أن توجد فيها الحياة، لكن ليس لدينا حتى الآن دليل مباشر مؤكد على وجود حياة خارج الأرض.
من كوكب واحد إلى آلاف العوالم
أحدثت اكتشافات الكواكب خارج المجموعة الشمسية تحولًا جذريًا في تصور العلماء للكون. فقد تجاوز عدد الكواكب الخارجية المؤكدة ستة آلاف كوكب، مع آلاف أخرى ما تزال مرشحة للتأكيد، بينما تشير التقديرات إلى أن مجرتنا وحدها تحتوي على مليارات الكواكب.
وهذا يعني أن الأرض لم تعد، علميًا، المثال الوحيد المعروف لوجود كوكب يدور حول نجم.
والأهم أن العلماء لم يجدوا هذه الكواكب كلها في صورة واحدة؛ فهناك عمالقة غازية، وكواكب شبيهة بنبتون، وكواكب فائقة الأرض، وكواكب صخرية أصغر، وبعضها يقع في مناطق حول نجومه يمكن أن تسمح ــ من حيث الظروف المدارية ــ بوجود ماء سائل على السطح.
لكن هنا يجب التوقف عند نقطة جوهرية:
وجود كوكب في المنطقة الصالحة للسكن لا يعني وجود حياة عليه.
فالمنطقة الصالحة للسكن ليست منطقة «الحياة»، وإنما منطقة تسمح، وفق بعض الشروط، بإمكان وجود الماء السائل. وتؤكد الدراسات الحديثة أن صلاحية الكوكب للحياة أكثر تعقيدًا من مجرد المسافة المناسبة عن النجم؛ فالغلاف الجوي، والمغذيات، والمجال المغناطيسي، والجيولوجيا، وطبيعة النجم، وعوامل أخرى يمكن أن تغير الصورة جذريًا.
الماء: من شرط محتمل إلى سؤال أكبر
أصبح الماء السائل أحد أهم المؤشرات في البحث عن الحياة، لأن الحياة الأرضية كما نعرفها تعتمد عليه.
لكن العلم الحديث بدأ يتجاوز التصور البسيط الذي يجعل وجود الماء وحده كافيًا للقول بإمكان الحياة.
فالسؤال لم يعد:
هل يوجد ماء؟
بل:
هل توجد بيئة قادرة على استمرار الكيمياء المعقدة اللازمة للحياة؟
وهذا التحول مهم؛ لأن العلماء يدرسون اليوم مجموعة متكاملة من الشروط: مصدر الطاقة، العناصر الكيميائية، الاستقرار البيئي، طبيعة الغلاف الجوي، النشاط الجيولوجي، والحماية من الإشعاع.
وقد كشفت دراسة حديثة مدعومة من ناسا عن معلومات جديدة حول كيفية حصول الأرض المبكرة على بعض العناصر الضرورية لقابليتها للسكن، مع احتمال أن يكون للمشتري دور في توزيع هذه العناصر داخل النظام الشمسي المبكر.
وهذا يوضح أن نشوء الحياة ليس مجرد مسألة «وجود ماء»، وإنما منظومة كونية وكيميائية أكثر تعقيدًا.
الحياة قد لا تكون محصورة في سطح الكوكب
من التطورات اللافتة في التفكير العلمي الحديث أن مفهوم «المكان الصالح للحياة» نفسه أصبح أكثر اتساعًا.
فالأبحاث الحديثة تدرس إمكانية وجود بيئات قابلة للحياة في أغلفة جوية أو بيئات غير سطحية، وليس فقط على سطح كوكب شبيه بالأرض. وقد طرحت أبحاث حديثة مفهوم الأغلفة الجوية بوصفها بيئات محتملة للحياة، بما في ذلك احتمال وجود أشكال ميكروبية محمولة في الغلاف الجوي في بعض العوالم. وما يزال هذا مجالًا بحثيًا نظريًا يحتاج إلى نمذجة وتجارب ورصد إضافي، وليس اكتشافًا لحياة فعلية.
وهذا التطور يكشف تغيرًا مهمًا في السؤال العلمي:
لم يعد العلماء يبحثون فقط عن «أرض ثانية»، بل عن أنظمة بيئية محتملة بأشكال مختلفة.
البحث لم يعد عن الكائن نفسه فقط
المشكلة الكبرى هي أن المسافات الكونية تجعل رؤية الحياة نفسها أمرًا شبه مستحيل في معظم الحالات.
لذلك يتجه العلماء إلى البحث عن البصمات الحيوية في أجواء الكواكب الخارجية: غازات أو تراكيب كيميائية قد تكون مرتبطة بالنشاط الحيوي.
وهنا يأتي دور التلسكوبات الحديثة، وفي مقدمتها جيمس ويب، ثم المهمات والتلسكوبات المستقبلية.
لكن العلماء أصبحوا أكثر حذرًا في تفسير هذه البصمات.
فوجود جزيء معين في الغلاف الجوي لا يعني تلقائيًا أن الحياة أنتجته؛ إذ يمكن لبعض العمليات غير الحيوية أن تنتج إشارات مشابهة. ولهذا تؤكد وكالة الفضاء الأوروبية أن البصمات الحيوية لا ينبغي التعامل معها منفردة، بل ضمن مجموعة متراكمة من الأدلة، مع دراسة البيئة الكوكبية ومصادر الإنتاج غير الحيوية المحتملة.
وهذا ربما يكون أهم تطور منهجي في البحث عن الحياة:
لن يكون الاكتشاف الحقيقي غالبًا نتيجة إشارة واحدة، وإنما نتيجة تراكم أدلة مستقلة يستبعد بعضها التفسيرات غير الحيوية.
وماذا عن جيمس ويب؟
قدم تلسكوب جيمس ويب قدرة غير مسبوقة على دراسة أجواء بعض الكواكب الخارجية، لكن الصورة العلمية حتى الآن لا تسمح بإعلان اكتشاف حياة خارج الأرض.
والعلماء يتعاملون بحذر شديد مع الإشارات الكيميائية المثيرة؛ لأن قراءة الغلاف الجوي لكوكب بعيد عملية معقدة، وتتداخل فيها خصائص النجم والكوكب والسحب والضباب والنماذج الكيميائية.
ولهذا أصبحت القضية الأساسية ليست مجرد اكتشاف جزيء، وإنما معرفة:
هل يمكن تفسير وجوده بعمليات طبيعية غير حيوية؟
وهل توجد جزيئات أخرى تدعم التفسير الحيوي؟
وهل تتفق جميع هذه البيانات مع نموذج بيئي قادر على دعم الحياة؟
نحن نعرف الآن أين نبحث
من أكبر التحولات العلمية أن البحث عن الحياة لم يعد بحثًا عشوائيًا.
أصبح لدى العلماء قائمة متزايدة من الأهداف:
الكواكب الصخرية.
الكواكب الموجودة في المناطق الصالحة للسكن.
الكواكب ذات الأغلفة الجوية القابلة للرصد.
الأقمار التي قد تحتوي على محيطات تحت سطحية.
البيئات التي تتوافر فيها المياه والطاقة والعناصر الكيميائية.
الأجسام التي يمكن أن تحفظ آثارًا لحياة قديمة.
كما تستعد مهمات مستقبلية لتوسيع هذا البحث. ومن بينها Pandora التي بدأت عملياتها في 2026 لدراسة أجواء عدد من الكواكب الخارجية وفصل تأثير النجم عن الإشارات القادمة من الغلاف الجوي للكوكب، وهو أمر ضروري لتحسين القدرة على تفسير تركيب هذه الأجواء.
كما تستعد مهمة Roman لدراسة أعداد هائلة من العوالم البعيدة، مع توقع اكتشاف عشرات الآلاف من الكواكب الخارجية، بما يوسع بصورة كبيرة العينة التي يستطيع العلماء دراسة نشأتها وتوزيعها داخل المجرة.
ولكن أين الحياة؟
هنا ينبغي أن يكون الحكم بالغ الوضوح.
حتى الآن لم تُكتشف حياة خارج الأرض اكتشافًا مؤكدًا.
وهذا هو الموقف العلمي الذي لا ينبغي تجاوزه.
ناسا نفسها تصف البحث عن الحياة خارج الأرض بأنه ما يزال في بدايته، وتؤكد أنه رغم اكتشاف آلاف الكواكب، لا توجد حتى الآن أدلة مؤكدة على وجود حياة خارج الأرض.
إذن لا نستطيع علميًا أن نقول:
«اكتشف العلماء حياة خارج الأرض».
ولا نستطيع أيضًا أن نقول:
«ثبت علميًا أن الحياة موجودة في مكان آخر».
لكن العلم الحديث لم يعد يسمح بسهولة بالقول المعاكس:
«الأرض هي المكان الوحيد الممكن للحياة».
فالكون الذي نعرفه أصبح أكثر تعقيدًا واتساعًا بكثير مما كان معروفًا قبل بضعة عقود، وعدد العوالم التي يمكن دراستها يتزايد بسرعة.
ماذا عن الحياة الذكية؟
هذه مرحلة أخرى أكثر صعوبة.
إمكان وجود حياة ميكروبية شيء، ووجود حياة معقدة شيء آخر، ووجود حضارات ذكية قادرة على الاتصال شيء ثالث تمامًا.
ولا يوجد حتى الآن دليل علمي مؤكد على وجود حضارة خارج الأرض أو على زيارة كائنات عاقلة للأرض.
ولهذا ينبغي الفصل الصارم بين ثلاثة أسئلة:
هل توجد حياة؟
هل توجد حياة ذكية؟
هل توجد حضارات قادرة على الاتصال بنا أو الوصول إلينا؟
حتى الآن لا يملك العلم جوابًا مؤكدًا عن السؤال الأول، وبالتالي تصبح الإجابة عن السؤالين الآخرين أكثر تحفظًا.
أين وصل العلم إذن؟
يمكن تلخيص الموقف العلمي الحديث في خمس درجات:
أولًا: المؤكد.
هناك آلاف الكواكب خارج المجموعة الشمسية، والكون يحتوي على عدد هائل من العوالم والأنظمة الكوكبية.
ثانيًا: المؤكد جزئيًا.
بعض هذه العوالم يمتلك خصائص تجعلها مرشحة لدراسة قابلية السكن، وقد توجد بيئات تحتوي على بعض العناصر والشروط المرتبطة بالحياة كما نعرفها.
ثالثًا: المحتمل علميًا.
وجود حياة خارج الأرض أصبح فرضية علمية مشروعة وقابلة للاختبار، وليس مجرد فكرة فلسفية أو خيال أدبي.
رابعًا: غير المثبت.
لم تُكتشف حتى الآن حياة خارج الأرض بصورة مؤكدة، ولا توجد بصمة حيوية حاسمة متفق عليها علميًا.
خامسًا: أبعد من الأدلة الحالية.
لا توجد أدلة علمية مؤكدة على حضارات فضائية أو زيارات لكائنات خارجية إلى الأرض.
الخلاصة
لقد نقل العلم الحديث قضية الحياة خارج الأرض من سؤال كان يبدو في الماضي أقرب إلى الفلسفة والخيال إلى برنامج بحث علمي حقيقي.
لقد عرفنا أن الكواكب كثيرة، وأن الكواكب ليست استثناءً كونيًا، وأن بعض العوالم قد يمتلك شروطًا تسمح بالحياة، وأن الكيمياء الضرورية للحياة ليست مرتبطة بالأرض وحدها، وأن العلماء أصبحوا قادرين على تحليل أجواء عوالم بعيدة والبحث عن بصمات قد تشير إلى النشاط الحيوي.
لكن كل ذلك لا يساوي اكتشاف الحياة.
ولهذا فإن الحكم العلمي النهائي حتى الآن هو:
الحياة خارج الأرض لم تُثبت علميًا، لكنها أصبحت احتمالًا علميًا جديًا ومشروعًا وقابلًا للاختبار، وتزايدت أسباب البحث عنها مع اكتشاف آلاف الكواكب وتطور القدرة على دراسة أجوائها وبيئاتها. أما الانتقال من «قابلية الحياة» إلى «وجود الحياة»، ومن الحياة إلى الحياة الذكية، فما يزال يحتاج إلى أدلة لم يحصل عليها العلم حتى الآن.
وهنا تكمن أهمية اللحظة العلمية الراهنة:
العلم لم يجد الحياة بعد، لكنه لم يعد يبحث عنها في كون مجهول؛ لقد بدأ يحدد العوالم التي يمكن أن يبحث فيها، والأدلة التي ينبغي أن يبحث عنها، والطرق التي يمكن بها التمييز بين الحياة والعمليات الطبيعية غير الحيوية.
ومن ثم فإن السؤال لم يعد: «هل يمكن أن تكون هناك حياة في الكون؟»
بل أصبح السؤال العلمي الأكثر دقة:
«عندما نجد عالمًا مناسبًا، ما الدليل الذي يمكن أن يجعلنا ننتقل من احتمال الحياة إلى إثباتها؟»
وربما لا تكون قيمة هذا السؤال في أن نصل إلى إجابته سريعًا، بقدر ما تكون في أنه يعيد الإنسان إلى موقعه الحقيقي أمام هذا الكون الهائل. فنحن، كلما تقدمنا في المعرفة، لا نكتشف فقط عوالم جديدة، بل نكتشف حدود أدواتنا وحدود يقيننا أيضًا. وربما كان أجمل ما في العلم أنه لا يخشى المجهول، ولا يملأ فراغه بإجابة لم تكتمل أدلتها؛ إنه يترك الباب مفتوحًا، ويواصل النظر.
ولذلك فإن الحياة خارج الأرض، حتى هذه اللحظة، ليست حقيقة أثبتها العلم، وليست استحالة أغلق بابها؛ إنها سؤال ما زال معلقًا في اتساع الكون، بين ما تسمح به الأدلة وما لم تصل إليه الأدلة بعد. وربما يأتي يوم تصل فيه إشارة لا يمكن تفسيرها إلا بوجود حياة، أو ربما نمضي زمنًا طويلًا دون أن نعثر عليها. وفي الحالتين سيبقى السؤال قائمًا، لأن البحث عن الحياة هو في جانب منه بحث عن الإنسان نفسه: عن حدود معرفته، وعن قدرته على أن يقول «لا أعرف» دون أن يتخلى عن الرغبة في أن يعرف.
وربما لهذا السبب تحديدًا، كلما نظرنا أبعد في الكون، بدا لنا أن المجهول لا يبتعد عنا، بل يقترب. وكلما أضاء العلم جزءًا من الظلام، ظهرت وراءه ظلمات أخرى تنتظر أن تُضاء. وبين ضوء المعرفة واتساع المجهول، يواصل الإنسان رحلته القديمة نحو السؤال؛ لا لأنه يملك الإجابة، وإنما لأنه لا يزال يؤمن بأن وراء السؤال حقيقة تستحق أن نبحث عنها.